محمد بن جرير الطبري

116

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ذلك الإنسان : ربي أهانني ، يقول : أذلني بالفقر ، ولم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه ، ورزقه من العافية في جسمه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ما أسرع كفر ابن آدم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قوله : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ قال : ضيقه . واختلفت القراء في قراءة قوله فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فقرأت عامة قراء الأمصار ذلك بالتخفيف ، فقدر : بمعنى فقتر ، خلا أبي جعفر القارئ ، فإنه قرأ ذلك بالتشديد : " فقدر " . وذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : قدر ، بمعنى يعطيه ما يكفيه ، ويقول : لو فعل ذلك به ما قال ربي أهانني . والصواب من قراءة ذلك عندنا بالتخفيف ، لإجماع الحجة من القراء عليه . وقوله : كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ اختلف أهل التأويل في المعني بقوله : كَلَّا في هذا الموضع ، وما الذي أنكر بذلك ، فقال بعضهم : أنكر جل ثناؤه أن يكون سبب كرامته من أكرم كثرة ماله ، وسبب إهانته من أهان قلة ماله . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ما أسرع ما كفر ابن آدم يقول الله جل ثناؤه : كلا إني لا أكرم من أكرمت بكثرة الدنيا ، ولا أهين من أهنت بقلتها ، ولكن إنما أكرم من أكرمت بطاعتي ، وأهين من أهنت بمعصيتي . وقال آخرون : بل أنكر جل ثناؤه حمد الإنسان ربه على نعمه دون فقره ، وشكواه الفاقة . وقالوا : معنى الكلام : كلا ، أي لم يكن ينبغي أن يكون هكذا ، ولكن كان ينبغي أن يحمده على الأمرين جميعا ، على الغنى والفقر . وأولى القولين في ذلك بالصواب : القول الذي ذكرناه عن قتادة ، لدلالة قوله بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ والآيات التي بعدها ، على أنه إنما أهان من أهان بأنه لا يكرم اليتيم ، ولا يحض على طعام المسكين ، وسائر المعاني التي عدد ، وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان من أهان ، الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم ، وفي تبيينه ذلك عقيب قوله : فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ بيان واضح عن الذي أنكر من قوله ما وصفنا . وقوله : بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ يقول تعالى ذكره : بل إنما أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم ، فأخرج الكلام على الخطاب ، فقال : بل لستم تكرمون اليتيم ، فلذلك أهنتكم ولا تحاضون على طعام المسكين . اختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه من أهل المدينة أبو جعفر وعامة قراء الكوفة بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ بالتاء أيضا وفتحها ، وإثبات الألف فيها ، بمعنى : ولا يحض بعضكم بعضا على طعام المسكين . وقرأ ذلك بعض قراء مكة وعامة قراء المدينة ، بالتاء وفتحها وحذف الألف : " ولاتحضون " بمعنى : ولا تأمرون بإطعام المسكين . وقرأ ذلك عامة قراء البصرة : " يحضون " بالياء وحذف الألف ، بمعنى : ولا يكرم القائلون إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه ربي أكرمني ، وإذا قدر عليه رزقه ربي أهانني اليتيم ، " ولا يحضون على طعام المسكين " وكذلك يقرأ الذين ذكرنا من أهل البصرة " يكرمون " وسائر الحروف معها بالياء ، على وجه الخبر عن الذين ذكرت . وقد ذكر عن بعضهم أنه قرأ : " تحاضون " بالتاء وضمها وإثبات الألف ، بمعنى : ولا تحافظون . والصواب من القول في ذلك عندي : أن هذه قراءات معروفات في قراءة الأمصار ، أعني القراءات الثلاث صحيحات المعاني ، فبأي ذلك قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا يقول تعالى ذكره : وتأكلون أيها الناس